لسان الدين ابن الخطيب
206
الإحاطة في أخبار غرناطة
وفاته : توفي شهر ربيع الثاني عام خمسة عشر وسبعمائة . وكان الحفل في جنازته عظيما ، استوعب الناس كافّة ، وحضر السلطان فمن دونه ، وكانت تنمّ ، زعموا ، على نعشه وقبره رائحة المسك . وتبرّك الناس بجنازته ، وقصد قبره المرضى وأهل الحاجات ، وبقي القرّاء يقرءون القرآن عليه مدة طويلة ، وتصدّق على قبره بجملة من مال ، ففدي به طائفة من الأسرى . وقبره بباب إلبيرة عن يمين الخارج إلى مقبرة العسّال ، معروف هنالك . محمد بن عبد اللّه بن محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن يوسف اللّواتي « 1 » من أهل طنجة ، يكنى أبا عبد اللّه ، ويعرف بابن بطّوطة « 2 » . حاله : من خطّ شيخنا أبي البركات ، قال : هذا رجل لديه مشاركة يسيرة في الطّلب ، رحل من بلاده إلى بلاد المشرق يوم الخميس الثاني من رجب عام خمسة وعشرين وسبعمائة ، فدخل بلاد مصر والشام والعراق ، وعراق العجم ، وبلاد الهند والسّند ، والصين ، وصين الصّين ، وبلاد اليمن . وحج عام ستة وعشرين وسبعمائة . ولقي من الملوك والمشايخ عالما ، وجاور بمكّة . واستقرّ عند ملك الهند ، فحظي لديه ، وولّاه القضاء ، وأفاده مالا جسيما . وكانت رحلته على رسم الصّوفية زيّا وسجيّة ، ثم قفل إلى بلاد المغرب ، ودخل جزيرة الأندلس ، فحكى بها أحوال المشرق ، وما استفاد من أهله ، فكذّب . وقال : لقيته بغرناطة ، وبتنا معه ببستان أبي القاسم ابن عاصم بقرية نبلة ، وحدّثنا في تلك الليلة ، وفي اليوم قبلها عن البلاد المشرقيّة وغيرها ، فأخبر أنّه دخل الكنيسة العظمى بالقسطنطينية العظمى ، وهي على قدر مدينة مسقّفة كلها ، وفيها اثنا « 3 » عشر ألف أسقف . قلت : وأحاديثه في الغرابة أبعد من هذا . وانتقل إلى العدوة ، فدخل بلاد السّودان . ثم تعرّف أن ملك المغرب استدعاه ، فلحق ببابه ، وأمر بتدوين رحلته .
--> ( 1 ) نسبة إلى لواته إحدى قبائل البربر . ( 2 ) يلقب ابن بطوطة بشمس الدين ؛ ولد بطنجة سنة 703 ه ، وتوفي بمراكش سنة 779 ه . ترجمته في الدرر الكامنة ( ج 3 ص 480 ) وهدية العارفين ( ج 2 ص 169 ) ودائرة المعارف الإسلامية ( ج 1 ص 99 ) والأعلام ( ج 6 ص 235 ) . وراجع أيضا مقدمة كتابه المسمى ب « رحلة ابن بطوطة » بقلم كرم البستاني . ( 3 ) في الأصل : « اثني » وهو خطأ نحوي .